
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه سيعيد طرح فكرة “نظام عالمي متعدد الأقطاب في زيارتة الرسمية الى الصين التي تستمر أربعة أيام . أن حرب روسيا على أوكرانيا مثلت نقطة تحول في التاريخ الحديث، لكنها لم تكن كما تصورها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وإدارته وبعض رؤساء القارة العجوز فقد كان الرهان الأمريكي أن يؤدي استنزاف روسيا عسكريًا واقتصاديًا إلى إضعاف موسكو ودفع كييف للاقتراب أكثر من حلف شمال الأطلسي (الناتو). غير أن النتيجة جاءت عكسية تمامًا: روسيا لم تُعزل، بل وجدت نفسها في قلب تحالفات جديدة، فيما أصبح مشروع “النظام العالمي متعدد الأقطاب” أكثر وضوحًا وقوة بغياب الرؤية الأمريكية وتجاهله بحجة ان العالم يسمع وينفذ مانقولة ولكن هذه المقولة لم تعد صالحة في قارة أسيا والوطن العربي وحتى وصل الأمر الى قارة أمريكا نفسها . الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه واشنطن تمثل في سوء تقديرها لعواقب الحرب. فبدلًا من إضعاف روسيا، زادت العقوبات الغربية من اعتمادها على الصين والهند، ودفعتها إلى تقوية شراكاتها مع دول كبرى تبحث عن الاستقلالية. هذا ما جعل موسكو وبكين تعلنان بشكل صريح أن زمن القطب الواحد قد انتهى، وأن العالم لن يعود كما كان قبل شباط/فبراير 2022 بصعود آسيا وبحث أوروبا عن ذاتها في المقابل، برزت آسيا كالمسرح الحقيقي لإعادة تشكيل النظام الدولي. الصين تعزز حضورها الاقتصادي والسياسي عالميًا، والهند، رغم محاولتها الموازنة بين الغرب وروسيا، تثبت أنها لن تكون مجرد تابع للسياسات الأمريكية. هذا التوجه يخلق مركز ثقل جديد يبتعد شيئًا فشيئًا عن الأطلسي. أما أوروبا، فقد وقعت في مأزق واضح: فهي مندفعة خلف واشنطن في العقوبات والسياسات، لكنها تدفع الثمن الأكبر اقتصاديًا من أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار. وهذا يطرح تساؤلات جدية داخل القارة حول فقدان القرار السيادي وتحولها إلى تابع يردد ما تريده واشنطن وبرز دور القوى الإقليمية الصاعدة دولًا مثل البرازيل، تركيا، والإمارات والسعودية باتت تنظر بجدية إلى التحالفات الجديدة مثل “بريكس” وتجد فيها منصة لتحقيق مصالحها بعيدًا عن إملاءات الغرب. هذا الانفتاح يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ميزان القوة العالمي يتغير، وأن المشاركة في صياغة هذا النظام الجديد أكثر فائدة من البقاء تحت المظلة الأمريكية وحدها بعالم متعدد الأقطاب والمشهد العام اليوم يؤكد أن النظام الدولي يسير بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها كما فعلت في تسعينيات القرن الماضي، والعزلة أصبحت تهددها هي وحلفاءها الأوروبيين، لا روسيا والصين. هذا لا يعني أن التحول قد اكتمل، لكنه بات واقعًا ملموسًا: تعاون اقتصادي بعملات محلية، مؤسسات بديلة للبنك الدولي وصندوق النقد، وشبكات سياسية وأمنية جديدة. كل ذلك يضع العالم أمام مرحلة تاريخية جديدة، حيث لم يعد “البيت الأبيض” وحده من يقرر مصير البشرية.